لا مبالاة

_في البلدان العربية
لا يقام أية قائمة للعلاقات الإنسانية والتأثيرات النفسية بين الناس وذويهم أو حتى أبناء جلدتهم.
فلا تنفك تسمع صراخهم و أحاديثهم المليئة بإهانات الماضي والقدر.
أو عباراتهم الموسومة بسُمِ حقدٍ يلتهب، أو حسدٍ يغلي، فتخرج عباراتهم كمن يكوي الوجوه بجَمرِ التشفي.
هنا دار الرحمة للأيتام، وهناك دار الرعاية لمرضى طيف التوحد
وعلى تلك اليافطة كُتب "دار بسمة لأطفال مرض السرطان"
بعضاً من العبارات التي تخص من اختارهم الله بلطف إرادته، ليكونوا رُسل رسائله اللاهوتية إلى أهل هذه الأرص.
أمش وأنا أحمل رأسي على كتفيّ كمن يحمل كفنه بين ذراعيه.
أجوب الشوارع كغيمةٍ حزينة فوق أرضٍ قاحلة.
ألتفت و أطالع ألوان اليافطات التي لم تُثر يوماً اهتمام المارة.
أتأملها ببطيءٍ وسكونٍ بارد.
لا شك أنني في الوطن العربي!!
هنا حيث لا أهمية لحياة الإنسان، في بِلادٍ ترتفع فيها تراتيل القرآن، حروفه وكلماته النابضة بِصَوّن كرامة الإنسان.
هنا.. تبكي لحالها أياته و سوره.
وكأننا نُسعَد بما ابتلاه الله لغيرنا.
فلا نكاد نقف ولو للحظة متأملين في معنى أن يراها ذوي المريض فتغتالهم ضائقة التعاسة.
من قال سهلاً أن يُجرح الإنسان في كَبِده ثُم يُعرض كَبدهُ على الناس ك حفلةِ سِركٍ تختلط فيها مشاعر التشويق و الرهبة و الخوف و الحذر؟.
هنا حيث لا قائمة سِوى لمظاهر الرفاهية و علامات القوة، يختفي الحب و تتبخر الرحمة.
وينسى الإنسان أنه أضعف مخلوق، فيستبد بضعفه على من هم منه.
هنا حيث ننسى أن وقعَ الكلمة أشد من وقع السيف على النحر.
هنا اللامبالاة بالقلب الجريح، هنا وطني.
                        
























 





 

   ألمٌ مِن وطني

 من بين براثين المعاناة و الآلام، تطلُ العيون العسلية برقتها العذبة، وهدوئها الآخاذ، متلحفةً بصمودها الجلمودي، تتحدى به قهر الحياة و جَورَ الأيام.
مع كل حربٍ تندلع، وفي كُل شُعلةٍ من نار الحقد تلتهب، تتعدد البصمات، وتكثر أصابع الإتهام، و ينشغل الجميع بتوجيه اداناتهم و تخوينهم لبعضهم.
ولا يبقى في ساحات المعارك سوى الضعفاء الهزيلين، أولئك الذين _لا ناقة لهم ولا جمل_ في معمعة المحاصصات المادية تلك، ينخرطون كما النمل في وادي القمح، بحثاً عن حبةٍ قمحٍ  تُسكت جوع أبنائهم و تملأ أعينهم أملاً بحياةٍ يدفعون ثمن لقمةٍ عيشها دماءاً تنفجر.
تَدق أبواق الحرب و تعلو نداءات طبولها قرعاً، و تستعد مزاميرها ل معزوفة الوداع، يوماً بعد يوم، وساعةً تتلو ساعة.
ليركض بصدى أعزوفتها رؤوس الدمار إلى صالات القرار، ويبقى في ميادين الدماء البقية من البسطاء.
و تدور رحى الحرب فَتُشل الأيدي أمام وحشية المدافع، ويتلون النهر العذب بدماء الضحايا، و تكتوي بها قلوب الأمهات الثكلى.
فيما تسقط معزوفتها المرعبة لهباً على مآقي الأباء فتحني ظهورهم و تكسر شوكة كبريائهم.
وتبقى الطفلة ذات العيون الرمادية على حافة الطريق، تحمل وردةً بيضاء، لعل السلام يوماً يأتي من المجهول، فيزيل أكوام الرُكام، ويبني المدارس المهدمة.
فتعود ضحكة الأطفال البريئة، و تشدو أنغام الحب بين الأزقة المورِدة بالعشق.


4 _ 3 ربيع أول 1441هجري
الموافق ل ..1 _ 11 تشرين ثاني 2019

                                               
 

       
                           لستُ سَودوايَّا


أتساءل ..
كم ندبة علينا أن نجتاز في كل تحسسٍ إعتيادي لأطراف أصابعنا، بينما تسير أناملنا الطرية على أجسادنا المتشققة.
لستُ سوداوياً، الجميع يكره الحزن ليس مقتاً له، ولا لأنه سيء
بل لأنهم جبناء يخشون المواجهة ..
مواجهة كُل تلك الأشياء التي يعجزون عن التحديق بها، الأمور التي تُسيطر عليهم و تُقوِد فكرهم، على أنها بُداً واقعاً
الذي يحدث لي: وفي كثير من الأحيان، أُصاب بالإحباط .. 
كثرة الأمل تورث الكسل .. ولا بُد من اليأس لستحداث طُرق أكثر فعالية و أقل تكلفة لحياتنا الثمينة
أعلم أني ضعيف في قدرتي على الصراخ، لكنني أسعى للملمة البذور المتناثرة في بستان الأمنيات
القليلون فقط، يعلمون كيف يصبح المهووسين أصحاب الأدمغة النشطة على مدار اليوم، و في ساعات النوم أيضاُ.
إنهم يصابون بالخيبة المقيتة، تتقطع أمعاءهم ألماً، تَشحبُ وجوههم و يكسوها اصفرار الموت.
تلتهب اقدامهم حراً، وترتعش جزوعهم برداً
من هؤلاء أنا ..
في كل يوم أنزل من على درج بيتي إلى الشارع في الساعة السادسة صباحاً، ذاهباً إلى جامعتي .. أرسم بيتنا .. حارتنا .. شوارعنا و مدينتنا، ضاحكةً مع أنغام العصافير المَرِحة رغم كئابة حرب العقول الملساء.
وفي المساء 
أعود إلى فراشي .. بقلبٍ يُسابق ريح كانون العاصفة خفقاً
و عينين ذابلتين انكساراً .. ..
#لستُ_سوداوياً
  

8_2_1441 هج
الموافق ل.... 7_10_2019 فر



                              

                    


                               أمومة ضائعة

يقولُ يتيمٌ ممزقَ الجوع مسلوبَ الوطن: سنبقى أحياءاً، كما ولدتنا أمهاتنا أحراراً مُشرقين .
هنا .. في وطن العرب و المسلمين، عشراتُ ألافِ العُراة، ملايين الجَوعى و المُشردين، مكدومي الخدود، مجروحي الأرواح.
خرج من ظلمة رحم أمه، إلى وهج نورِ الحياة.
رَسَمت له كغيرها من الأمهات من قبل إبصاره النور عشرات الأحلام الوردية.
تارةً أرادته طبيباً، ومرةً أُخرى مهندساً، و معلماً ثم فناناً بارعاً في الرسم ..
وضعت خُطتها لتنشِئَته بالحب و الحنان على العِلم و الإيمان.
و كأي أمرأة ستصبح أُماً لأول مرة، لم تستطع أن تسيطر على مشاعر أمومتها الفطرية ..
من هنا بدأ تمزقنا ....
لقد ولدتنا أمنا _بلاد حروف المنطق_
وهي ترسم لأبنائها الإثنى وعشرين قبضةً حديدية في وجه من يريد تمزيق سؤد كرامتهم.
رسمتهم حكيماً ينضح قَلبَه بعظيم القوة ،وما ظنت حتى لبُرهة أن يكونوا شُرذمةً تتلاعب بهم يد الأعداء
فتنقص من مؤنتهم و تلتهم قوت بطونِهم و تسلبهم ثياب شتائهم البارد.
حتى أمسوا بين الأمم حفاةً عُراة، تتلقفهم سهام المصالح و تمزقهم دعاوى المُحاصصة كوَلدٍ يتيم لا بجرؤ على ردع باغٍ ولا ردِ باخث.
وسط المعركة كانوا يكتالون دماءَهم، و يحصُون قَطر دموعهم.
تَشرُدُ مِنهم العَنادل، وتصبوا ل حالِهم أغرابةٌ سوداءُ شُؤمٌ مَنطِقُها.
وسط المعركة التي سار إلها بقدميه الصغيرتين و ثيابِ عيده المزعوم
هذا الطفل الكبير بأحلامه، ما برح يحلم كما حلمت أمه من قبله، وهو يدفع سيوف العِدى بذراعه الوحيدة، يحلمُ بمخلصٍ ينقذه من شتاته، فيجمع أشلاءه، و يستسقيه من ظمئه  سُقيةٍ تجر بيده إلى النور .



29 _1_ 1441 هج
الموافق ل : 26 _1 _ 2019 ف




من نحن؟


                                               


                                                              من نحن؟

لطالما كانت الثقافة التي تتمتع بها الشعوب منطلقاً للحضارة في جميع الأماكن التي وطئتها قدم الإنسان.
و لعل اختلاف الحضارات ما كان إلا لاختلاف تلك الثقافات و نظرة شعوبها إلى الحياة، و نظرتهم بشكل خاص للإنسان ك وحدة أساسية من وحدات قيام الأمة و الحضارة.
وبما أننا في الوطن العربي نمتد على بقعة جغرافية واسعة في شرق البحر الأبيض المتوسط ، فقد كان لنا رغم توحد لغتنا و اتباع غالبيتنا لدينٍ واحد ، حضارات و نماذج شعبية مختلفة رسمتها البيئة الطبيعية و الجِوار الثقافي القريب من تلك المجتمعات.
ابتداءاً بالخضارة المغاربية وصولاً إلى مصر و السودان وعلاقتهما بشريانهما النيل العظيم، إلى القرن الأفريقي ،و الحضارة الخاصة التي تميزت بها شبه الجزيرة العربية 
و التعدد العرقي الذي أثر بشكل مباشر في منطقة بلاد الشام و العراق.
كل هذا التعدد الحضاري  المُنطلق من التعددية العرقية و الاجتماعية و الثقافية و الدينية في بعض المناطق.
كان له انعكاس واضح على الإنسان العربي الحالي، و ثقافته و نظرته لنفسه و للعالم.
ولفهم ذلك لا بد من دراسة كل حضارة على حدى ،كما سيأتي في مقالات لاحقة .
لنصل إلى جواب سؤالنا .. مَنْ نحن؟
ونستطيع بذلك فهم أسباب الضوضاء المريبة التي يعيشها المجتمع العربي منذ حوال ثلاث عقود من الزمن.
و لا بد لنا من الإشارة إلى أن الاستهداف الثقافي لأي مجتمع يكمن في تشكيك أبنائه بحضارتهم و ثقافتهم و عراقتها، مما يبني حالة من الفوضى الفكرية و الزعزعة النفسية اللتان تساهمان بشكل أساسي في السيطرة على الشعوب و استعبادها.
و لأننا أبناء حضارات عريقة، كان لا بُد من الدراسة الموضوعية لماهية هذه الحضارات و ربطها بالواقع، لمواجهة الاحتلال الثقافي الذي ما بثق يضرب الأمة في كينونتها و بنيتها الأساسية.


التاريخ 18_محرم 1441